ابن تيمية

9

مجموعة الفتاوى

مِنْهَا : أَنَّ إثْبَاتَ الصَّانِعِ فِي الْقُرْآنِ بِنَفْسِ آيَاتِهِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمُ بِهَا الْعِلْمَ بِهِ كَاسْتِلْزَامِ الْعِلْمِ بِالشُّعَاعِ : الْعِلْمَ بِالشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى قِيَاسٍ كُلِّيٍّ يُقَالُ فِيهِ : وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ ؛ أَوْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ ؛ أَوْ كُلُّ حَرَكَةٍ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِلَّةٍ غائية أَوْ فَاعِلِيَّةٍ ؛ وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى أَنْ يُقَالَ : سَبَبُ الِافْتِقَارِ إلَى الصَّانِعِ هَلْ هُوَ الْحُدُوثُ فَقَطْ - كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ ؟ أَوْ الْإِمْكَانُ - كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ ؟ حَتَّى يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّانِيَ حَالٌ بَاقِيَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الصَّانِعِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الصَّحِيحِ دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنِّي قَدْ بَسَطْت هَذَا الْمَوْضِعَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ وَبَيَّنْت مَا هُوَ الْحَقُّ ؛ مِنْ أَنَّ نَفْسَ الذَّوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الصَّانِعِ وَأَنَّ فَقْرَهَا وَحَاجَتَهَا إلَيْهِ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لِهَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ الْمَخْلُوقَةِ كَمَا أَنَّ الْغِنَى وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لِلرَّبِّ الْخَالِقِ وَأَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِهَذَا الِافْتِقَارِ غَيْرُ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَعَيْنِ الْآنِيَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِغِنَاهُ غَيْرَ نَفْسِ ذَاتِهِ . فَلَك أَنْ تَقُولَ : لَا عِلَّةَ لِفَقْرِهَا وَغِنَاهُ ؛ إذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَمْرٍ عِلَّةٌ ؛ فَكَمَا لَا عِلَّةَ لِوُجُودِهِ وَغِنَاهُ : لَا عِلَّةَ لِعَدَمِهَا إذَا لَمْ يَشَأْ كَوْنَهَا وَلَا لِفَقْرِهَا إلَيْهِ إذَا شَاءَ كَوْنَهَا وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ : عِلَّةُ هَذَا الْفَقْرِ وَهَذَا الْغِنَى : نَفْسُ الذَّاتِ وَعَيْنُ الْحَقِيقَةِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ فَقْرَ نَفْسِهِ وَحَاجَتَهَا إلَى خَالِقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ وَالْمُمْكِنُ الَّذِي يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ أَوْ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَالْمُحْدَثُ الْمَسْبُوقُ بِالْعَدَمِ ؛ بَلْ قَدْ يَشُكُّ فِي قِدَمِهَا أَوْ يَعْتَقِدُهُ . وَهُوَ يَعْلَمُ فَقْرَهَا وَحَاجَتَهَا إلَى بَارِئِهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَقْرِ إلَى الصَّانِعِ عِلَّةً إلَّا الْإِمْكَانَ أَوْ